المُقَدِّمَة
الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يتخذ صاحبةً وليس له ولد. خلق الخلْق لعبادته، وأمرهم بتوحيده وطاعته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى صراطه المستقيم السالك إلى جنته، المبعوث على فترة من الرسل ليخرج المشركَ مِن ظُلمته، ويُحذّره قبل حسرته، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعترته.
أما بعد:
فإنَّ أجلَّ ما تعلّمه العبدُ، وآكد ما تفهَّمه: علم التوحيد، لأنه خالص حقِّ رب العبيد، كما قال ﷺ لمعاذ: «أتدري ما حقُّ الله على العباد؟»: «حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» متفق عليه. ولهذا كان أول ما دعا إليه رسولٌ ونبي، وعالمٌ وتقي، ولأجله خلق الله الخلْق، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل، لأنه أساس قبول كلِّ عمَل، وهو سبب لكلِّ خير ومنفعة، وأساس الطمأنينة والأمن والحياة السعيدة، جالبٌ للبركات، ودافع للعقوبات، وسبب لتفريج الكربات، به يُنجّى العبد من الدَّركات، ويُرفع في الدرجات.
وجدير بما هذا شأنه أن تُقضى فيه الأعمار، وتُعمَر به المجالس في سائر الأمصار، لاسيما وقد اندرست بعضُ معالمه، وجُهلت بعضُ دعائمه!، فكان حقًّا على أهل التوحيد العناية بتعلُّمه ودراسته، وتعليمه وإذاعته، مقدمِّين أهمَّ ما كُتب فيه وأيسرها، إذ الهمم قد ضعُفت، والشُّبه قد تغلَّبت. وكان من أحسن كُتبه: القواعد الأربع لمجدِّد زمانه محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله . وقد يسَّر الله الكريم إقراءه مرّات، وعلَّقنا عليه بعضَ الفوائد والمهمات، فرغبنا في إفادة المستفيدين رغبة في الأجر والثواب، مستلهمين من الله التسديد والتوفيق إلى الصواب، وإلىه المرجع والمآب.
بسم الله الرحمن الرحيم
(أسأل الله الكريم ربّ العرش العظيم أنْ يتولاك في الدُّنيا والآخرة، وأن يجعلَك مبارَكًا أينما كنت، وأن يجعلك ممّن إذا أُعطيَ شكر، وإذا ابتُلي صبر، وإذا أذنب استغفر، فإنّ هؤلاء الثلاث عنوان السَّعادة).
هذه الجملة مدخل من الشيخ رحمه الله إلى المقصود الذي أراده، استفتحَ بذكر اسم الله تعالى، وثنَّى بالدُّعاء للطالب والقارئ.
وأشار بدعائه إلى مضْمون هذه الرِّسالة: وهو تحقيق العبودية لله تعالى بغاية الحب والذُّل، فإنَّ السُّؤال يجمعُ ذلك: أعني الافتقار والتذلُّل لله وحبه وحسن الظنِّ به في الإجابة.
وفي دُعاء الشَّيخ أيضًا إشارة إلى بعض مقصود الرِّسالة: من حيث إنَّه لا يملك لنفسه ولا لغيره إلا التوجيه والنصح والبيان، وسؤال الرب سبحانه التوفيق والسداد للمنصوح لأنه الذي يملكه دون غيره.
وهذا شأن الأنبياء وورثتهم: البيان والدعوة والنصح وسؤال الهداية، والله وحْدَه هو الهادي والمعين والموفِّق والمسدِّد يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
قوله: (بسم الله): استهل الشيخ رحمه الله بالبسملة اقتداء بالقرآن الكريم وسنة النبي ﷺ في مكاتباته وعلى ذلك سار العلماء قاطبة في مصنفاتهم.
قوله: (أسأل الله): استهل بالدعاء للطالب وهذا من لطف المعلم وأخلاقه الحسنة العظيمة وشفقته بالمتعلم ورحمته به.
وهكذا وصف الله سبحانه نبيه الكريم في قوله تعالى: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128]، وقال تعالى عنه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، وفي الحديث الصحيح: أنه ﷺ لما آذاه قومه ورموه بالحجارة وأرسل الله ملك الجبال إلى نبيه ليأمره بأمره فيهم فقال: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ الله مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ الله وَحْدَهُ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»([1])، والله يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21]، فهكذا يجب أن يكون الداعي والمعلم: رحيما شفيقًا بالمبلَّغين والمنصوحين والمتعلِّمين.
قوله: (الله الكريم): توسَّل الشيخ بأسمائه الحسنى كما قال سبحانه: { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } [الأعراف: 180]، فتوسل الشيخ باسم الله الأعظم وهو (الله) وثنى باسمه (الكريم) لمناسبته لما سيدعو به وهو أن يفيض الكريم من عظيم كرمه على المدعو له بالسداد والحفظ والبركة في العلم ونحوه.
و(الكريم) اسم ثابت بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} [الانفطار: 6].
قوله: (رب العرش العظيم): العرش: مخلوق عظيم لا يقدر قدره إلا الله تعالى وهو أعلى المخلوقات التي نعلمها وأكبرها، ولهذا وصف بكونه عظيما قال تعالى: {وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة: 129]، وقال: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [المؤمنون: 86]، ووصف بأنه كريم كما في قوله: { فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ } [المؤمنون: 116].
ووصف بأنه مجيد في قوله تعالى: {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ} [البروج: 15]، بالجر صفة للعرش قال ابن كثير رحمه الله : «(المجيد): فيه قراءتان: الرفع على أنه صفة للرب عز وجل، والجر على أنه صفة للعرش، وكلاهما معنى صحيح».
والشيخ رحمه الله ضمَّ: (رب العرش العظيم) في التوسُّل إلى: (الله الكريم)، ولعله منه اقتداء بالسُّنة الواردة في ذلك.
فقد ثبت عند أحمد وأبي داود([2]) عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَعُودُ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ، فَيَقُولُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَسْأَلُ اللهَ الْعَظِيمَ، رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ، إِلا عُوفِيَ».
قوله: (أن يتولاك): هذا الدعاء المدعو به للطالب.
وقد دعا الشيخ للطالب بدعوتين ثم ثلَّث بثالثة؛ وكله دعاء عظيم.
أولًا: الدعاء بولاية الله سبحانه للمتعلم، والله هو الولي وهو من أسمائه كما قال تعالى: { أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ } [الشورى: 9]. { وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ } [الشورى: 28].
وعنى هنا: الولاية الخاصة المذكورة في قوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } [البقرة: 257]، وهي المذكورة أيضًا في قوله تعالى: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ } [الأعراف: 196].
والصالح هو: المؤمن التقي كما قال تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [يونس: 62 - 64].
وهذه الولاية تتضمَّن: الحفظ والتوفيق والتسديد والعناية والدِّفاع عنه كما قال ﷺ: يقول الله تعالى : «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّه»([3])، أي: يوفقه ويسدده في سائر جوارحه.
وسؤال الشيخ ولاية الله تعالى هو منه اقتداء بالنبي الكريم ﷺ فقد ثبت أنَّ النبي ﷺ علَّم الحسن رضي الله عنه أن يقول: «اللهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ»([4])، وفي صحيح مسلم (2722) عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان يقول: «اللهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا»، وكما في الآية السابقة وهي قوله تعالى: { قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ } [الأعراف: 195] {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ } [الأعراف: 195 ـ 196].
وفائدة هذا الدُّعاء هنا:
- إعانة المتعلم على فهم ما يريد، والتسديد للهدى والحق والصَّواب.
- كشف كربة المتعلِّم وتأييده إذا دخل طور الدعوة وتبصير الناس بالحق والتوحيد.
ثانيًا: الدُّعاء له بالبركة. وهو:
قوله: (أنْ يجعلك مباركًا أينما كنت).
والبركة: كثرة الخير ودوامه، والبركة صفة ذاتية فعلية لله سبحانه، والله يُفيض البركة على من يشاء من عباده فيكون مباركًا.
والدُّعاء بهذا: من سنة النبي ﷺ، فالشيخ مُقْتد متَّبع، فقد ثبت أنَّ النبي ﷺ دعا بالبركة لأنس بن مالك، ولابن عباس، ولعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم ودعا لأهل المدينة بالبركة في صاعهم ومدّهم، ودعا بالبركة في الشام واليمن، وكل ذلك معلوم في الصَّحيح.
وإذا بارك الله لك وفيك في عمرك وعملك وعلْمك؛ كنت من السُّعداء.
وقوله: (أينما كنت): فيه اقتباس أو هو إشارة إلى قول الله سبحانه: { قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا } [مريم: 30، 31]. قال المفسرون كمجاهد: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا} أي: نافعًا، وقال آخرون: بركته الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال سفيان: معلِّما للخير حيثما كنت، وقال الضحاك: قضَّاء للحوائج حكاه السمعاني، وحكى البغوي عن عطاء أنه قال: أدْعُو إلى الله وإلى توحيده وعبادته.
ويجمع ذلك: أنْ الله يضع البركة في عبده من تعليم الخير والتوحيد والدعوة إليه والتحذير من الشر والشرك والنهي عنه في جميع أحواله وأوقاته، فكلّ مَن جالسَه نال من بركة علمه ونفعه وسعد بمصاحبته.
قلتُ: وأشار الشيخ بهاتين الدعوتين إلى:
- فهم العلم الذي يتلقَّاه والنُّصح الذي يُلقى إليه واستيعابه والتبصُّر به، والتمييز به بين التوحيد والشرك، وذلك يحصل بتوفيق الله وهو من آثار ولاية الله له.
- الدعوة إلى ذلك وتعليمه وتبصير الناس بالهدى والرشد والتوحيد الذي هو حق الله على العبيد، وذلك من بركة الله التي يجعلها في العبد.
- وتضمَّن الدُّعاء أن يحفظه ويرعاه في تعلُّمه وتَعْليمه وتلقِّيه ودعوته من كل سوء ومكروه.
قوله: (وأن يجعلك ممن إذا أعطي شكر وإذا ابتلي صبر وإذا أذنب استغفر):
لا يخلو الناس من نعم الله التي تتوالى عليهم تترا ليلًا ونهارًا في أنواع احتياجاتهم وأجناس متطلَّباتهم وترجع هذه النعم إلى أمرين:
الأول: نِعَم تقوم بها أديانُهم.
والثاني: نعمٌ تقوم بها أبدانهم.
وهذا العطاء العظيم مِن الله سبحانه لا يكون نافعًا لصاحبه إلا إذا شكر وحينئذ يدوم ويزيد ويؤول به إلى الجنة. وإن كفر وما شكر اضمحلَّت النعم وزالت وكانت عليه نكالًا ووبالًا.
وأدلَّة هذا كثيرة جدًّا، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ } [سبأ: 15، 16]، وقال تعالى: { إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } [الزمر: 7]، وقال: { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ } [إبراهيم: 7]، وهذا دليل على أن شكر الله على عطائه ونعمه سبب لنمائها وزيادتها وثبوتها كما أن كفر النعمة سبب لنقمة الله وبأسه وغضبه.
وحقيقة الشكر: ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده: ثناء واعترافًا، وعلى قلبه: شهودًا ومحبة، وعلى جوارحه: انقيادًا وطاعة. قاله ابن القيم في المدارج.
وشكر الله سبحانه يقوم على أربعة أركان:
الأول: حب المنعم والخضوع له.
الثاني: الاعتراف بالنعمة ونسبتها إلى المنعم.
الثالث: الثناء على الله بها كما قال تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11].
الرابع: العمل بها في طاعته وعدم العمل بها في معصيته وما يكره.
وقوله: (إذا ابتلي صبر): لا بد من الابتلاء كما قال تعالى: {الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ } [العنكبوت: 1 - 3]، والابتلاء سنة الله في خلقه كما قال تعالى: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ } [البقرة: 214]، فلا يمكن أن يكون العبد دائمًا في سراء أو ضراء بل تارة وتارة. كما قيل:
|
سرورٌ وحزن واجتماع وفرقةٌ |
|
وعسرٌ ويسر ثمَّ سقمٌ وعافية |
والواجب على العبد أنْ يكون عبدًا لله سبحانه في سائر أحواله، ففي حالة النعمة والسرَّاء: عبوديته بالشكر.
وفي حالة الابتلاء والضرَّاء: عبوديَّتُه بالصَّبر، بأن يسلِّم أمرَه لله ولا يتسخَّط بقلبه ولا يشكو ربَّه بـ لسانه ولا يعصيه بفعله كمن يلطم وجهه ويشق ثوبه عند المصيبة، والنبي ﷺ يقول: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ وَشَقَّ الجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ»([5]).
وهذا مِن عَدْل المؤمن أنْ يكون شاكرًا عند النَّعماء وصابرًا عند البلاء.
وقد ذمَّ اللهُ الذين يعبدُونه إذا أَقْبلت النِّعم عليهم دون ما إذا دخلُوا مرحلة الابتلاء فهُم عباد مؤقتون عبادتهم في زمن الرخاء فقط قال تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } [الحج: 11].
أخرج البخاري (4742) عن ابن عباس رضي الله عنهما قَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ المَدِينَةَ فَإِنْ وَلَدَتْ امْرَأَتُهُ غُلَامًا وَنُتِجَتْ خَيْلُهُ قَالَ هَذَا دِينٌ صَالِحٌ وَإِنْ لَمْ تَلِدْ امْرَأَتُهُ وَلَمْ تُنْتَجْ خَيْلُهُ قَالَ هَذَا دِينُ سُوء!!؟».
وهذا الصنف من الناس لا يثبُت الواحد منهم عند المحن والشدائد، ولا يحتسب، بل يتسخَّط وربما ارتدَّ وباعَ دينَه واعتاض عنه بعرض من الدنيا كما قال النبي ﷺ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ»([6]).
وفي صحيح مسلم (118) عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبي ﷺ قال: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا».
وقوله: (أذنب: استغفر): العبد لا يخلو من الذنوب، إلا من عصمه الله تعالى، كما في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ»([7])، وفي المسند وسنن الترمذي وابن ماجة([8]) عن أنس بن مالك رضي الله عنه مرفوعًا: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ».
والمذنب لا يخلو من أمرين:
الأول: إمَّا أنْ يصرّ على الذنب ولا يتوب وهذا نذير شر ونقمة وبأس شديد وعذاب قريب من الله تعالى: لأن: «اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُمْلِي لِلظَّالِمِ، فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } [هود: 102]، {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30].
الثاني: أن يتوب ويسارع بالرجوع إلى الله، وهذا حال المؤمن الخائف من ربه، قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135].
قوله: (عنوان السعادة): ذكر هذا المعنى الإمام ابنُ القيم رحمه الله في كتابه «الوابل الصيِّب»، وأطال النفس فأجاد كعادته، فليطالعه من أحب المزيد.
قال الإمام أحمد رحمه الله : حدثنا روح عن سعيد عن قتادة قال: كان مطرِّف بن عبد الله بن الشخير يقول: «إنَّ أحبَّ عِبادِ الله إلى الله الشكورُ الصابرُ الذي إذا ابتُلي صبرَ وإذا أُعطي شكَر»، وفي لفظ: «نِعْم العبد الصبَّار الشكور الذي إذا أُعطي شكَر وإذا ابتلي صبر»([9]).
(اعلم أرشدك الله لطاعته: أنَّ الحنيفيّة ملّة إبراهيم: أن تعبد الله مخلصًا له الدِّين وبذلك أمر الله جميع الناس، وخلقهم لها، كما قال تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]).
هذه الجملة فيها بيان أن الله سبحانه وتعالى خلَقَ الخلق لعبادته، وجعل الإسلام دين جميع الناس، وإليه دعا جميعُ الرسل، وبه دانُوا لله رب العالمين.
وهو الحنيفية التي تعني: توحيد الله سبحانه في العبادة، بمعنى إفراده دون غيره في سائر العبادات الظاهرة والباطنة وهذا هو الدِّين الذي رضيه للبريَّة وهو الغاية التي خُلقوا من أجل تحقيقها.
قوله: (اعلم أرشدك الله لطاعته): يبدأ الشيخ هذه الفقرة أيضًا: بالدعاء للطالب والقارئ والمستمع، ولا يزال يكرِّر الدعاء، منبِّهًا على شدَّة حرصه على تفهُّم الطالب المسائل والقواعد الآتية لعظيم نفعها لمن فهمها ووعاها.
قوله: (اعلم): تنبيه على ضرورة حضور الذهن والإصغاء لما سيقوله لك مما سينبني عليه ما بعده، وهو أسلوب طالما استعمله العلماء في معرض التأكيد على ضرورة التنبُّه لما سيلي الأمر من الكلام لارتباط فهم ما بعده بفهمه.
ونَعَم؛ مَا ذكرهُ الشيخُ في هذه الفقرة: بمثابة الأساس لما بعدَه.
قوله: (أرشدك الله لطاعته): هذا دعاء بالرشد. والدعاء بالرشد مذكور في القرآن الكريم في قوله تعالى: { رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا } وقد ثبت في السُّنة الدُّعاء بذلك.
ففي «المسند»([10]) أنَّ النبي ﷺ قال: «اللهُمَّ أَسْتَهْدِيكَ لِأَرْشَدِ أَمْرِي، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي»، وفي المسْند والسُّنن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «اللهُمَّ أَرْشِدِ الْأَئِمَّةَ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ»([11]).
وفي «المسند» من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه أنَّ أباه رضي الله عنه أتى النبيَّ ﷺ فقال: ما تأمرني أن أقول؟، قال: «قُلِ: اللهُمَّ قِنِي شَرَّ نَفْسِي، وَاعْزِمْ لِي عَلَى أَرْشَدِ أَمْرِي»([12]).
ومن صفات الله تعالى: الرشد، ومن أفعاله الإرشاد، والرشيد: أثبته بعضُ أهل العلم من أسماء الله، كابن القيم حيث قال رحمه الله :
|
وهو الرشيد فقوله وفعاله |
|
رشد وربك مرشد الحيران([13]) |
|
وكلاهما حق فهذا وصفه |
|
والفعل للإرشاد ذاك الثاني |
ومعنى الدعاء: الهداية إلى ما ينفع، وأعظم ما ينفع في الدنيا والآخرة هو: العلم النافع، والعمل الصالح الذي به يكون العبد مطيعًا لله تعالى.
ولا يكون العمل طاعة وصالحًا إلا إذا كان خالصًا لله موافقًا للشرع.
والطَّاعة: الانقياد بمقتضى الأمر والنهي، والعبادة أخصّ، فالطاعة تجوز لغير الله في غير معصية، بخلاف العبادة فلا تجوز إلا لله.
قوله: (أنَّ الحنيفية): من حنف: وهو الميل. والنسبة إليها حنيف، والحنيفية: تعني الإسلام الصَّحيح الذي جعله الله دينًا للناس وإليه دعا كل الأنبياء.
وقد جاء عن ابن عباس وعائشة وجابر رضي الله عنهم -المعنى- أنَّ النبي ﷺ قال: «إنِّـي بُعثْت بالحنيفيَّة السَّمْحَة»([14]).
ومعنى الحنيف: كما قال ابن عباس رضي الله عنهما : المائل عن جميع الأديان إلى دين الإسلام.
وعرفه ابن القيم رحمه الله بقوله: «المقبل على الله المعرض عما سواه».
وقال ابن كثير رحمه الله : الحنيف: هو المائل عن الشرك قصدًا، أي تاركًا له عن بصيرة، ومقبل على الحق بكُلِّيته، لا يصدّه عنه صادّ، ولا يردُّه عنه رادّ([15]).
والدين الحنيف: هو الإقبال على الله وحده والإعراض عما سواه([16]).
وهي الفطرة التي يولد عليها كل مولود، فكل مولود يولد حنيفًا كما قال تعالى: ﴿ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ﴾ [الروم: 30]، وفي الصَّحيح أن النبي ﷺ قال: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِه»([17]). وفي لفظ: «على الملة» يعني الحنيفية، أي: الإسلام، ويؤيده حديث عياض رضي الله عنه في صحيح مسلم (2865) أن النبي ﷺ قال: قال الله: «إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ».
قال شيخ الإسلام رحمه الله : «فأخبر أنه خلقَهم حنفاء، وذلك يتضمَّن معرفة الرب، ومحبته، وتوحيده، فهذه الثلاثة تضمنتها الحنيفية، وهي معنى قول: لا إله إلا الله»([18]).
ومن المعاني التي تضمنتها الحنيفية: الإذعان للحق والإقبال على العلم والذكر والإعراض عما يصد عن ذلك.
قال شيخ الإسلام رحمه الله : «وتلك هي الحنيفية ملة إبراهيم عليه السلام فإنَّ الـحَنَف هو إقبال القدم وميلها إلى أختها، فالحنَف الميل عن الشيء بالإقبال على آخر، فالدين الحنيف هو الإقبال على الله وحده والإعراض عما سواه، وهو الإخلاص الذي ترجمته كلمة الحق، والكلمة الطيبة: لا إله إلا الله»([19]).
قوله: (ملة إبراهيم): الملة: الدين وهو اسم لما شرع الله لعباده على لسان الأنبياء.
وفرَّق العلماء بين الملة والدين، ومما فرِّق به:
ـ أنَّ الملة لا تُضاف إلا إلى النبي الذي تستند إليه، نحو: {فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [آل عمران: 95]، وقوله: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ} [يوسف: 38]، ولا تكاد توجد مضافة إلى الله أو آحاد الأمة فلا يقال: ملة الله، أو ملتي، أو ملة زيد، كما يقال: دين الله، ودين زيد.
ـ الملّة تُستعمل في جملة الشرائع دون الآحاد لا تقول: الصلاة ملة الله([20]).
قال الكفوي رحمه الله : «الملة: الطريقة ثم نقلت إلى أصول الشرائع وبهذا الاعتبار لا تضاف إلا إلى النبي الذي تستند إليه»([21]).
وقد استدلوا بالأمر باتباع ملة إبراهيم على أن شرع من قبلنا شرع لنا.
وأجيب عن ذلك: أنَّ المراد هنا ما اشتركوا فيه جميعًا وهو أصل التوحيد وأصول الشرائع والعقائد التي اتفقت عليها سائر شرائع الأنبياء كما في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي ﷺ قال: «الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ» لفظ مسلم.
والمراد: تختلف شرائعهم في الفروع لكنهم متفقون في أصل التوحيد والحنيفية.
ووردت (ملة إبراهيم) في القرآن مأمورًا باتباعها في مواضع:
الأول: في قوله تعالى في سورة البقرة: { وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ } [البقرة: 130].
والثاني: أيضًا في سورة البقرة قوله تعالى: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [البقرة: 135].
والثالث: في سورة آل عمران قوله تعالى: { قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [آل عمران: 95].
والرابع: في سورة النساء قوله تعالى: { وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا } [النساء: 125].
والخامس: في سورة النحل قوله تعالى: { ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [النحل: 123].
السادس: قوله تعالى: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ } [يوسف:38].
وإبراهيم عليه السَّلام أبُو الأنبياء بعده، فكلّ الأنبياء بعده من ذُرّيته كما قال تعالى: { وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ } [العنكبوت: 27].
فكلُّهم من ذرية إسرائيل: يعقوب بن إسحاق، إلا محمَّد ﷺ فمن ولد إسماعيل، والله أعلم.
ووَصَفه الله بأنه (أمَّة)، وأخبر عنه أنه أمر مَن بعدَهُ ووصَّاهم بالتوحيد الخالص الذي لا شرك فيه كما قال تعالى: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 132].
والحنيفية ليست ملَّة إبراهيم وحده، ولكنه كان إمامًا وأمة ولم يكن من المشركين فأضيفت إليه، وسيذكُر الشيخ رحمه الله أنَّها ملة جميع الأنبياء وبذلك أمر جميع المكلَّفين.
قال ابن كثير رحمه الله : «وليس يلزم من كونه عليه السلام أُمِرَ باتباع ملة إبراهيم الحنيفية أن يكون إبراهيم أكمل منه فيها؛ لأنه عليه السلام قام بها قيامًا عظيمًا، وأكملت له إكمالا تامًا لم يسبقه أحد إلى هذا الكمال؛ ولهذا كان خاتم الأنبياء، وسيد ولد آدم على الإطلاق، وصاحب المقام المحمود الذي يرهب إليه الخلق حتى إبراهيم الخليل، عليه السلام»([22]).
قوله: (أنْ تعبُدَ الله مخلصًا له الدين): هذا تفسير من الشيخ للحنيفية وهو تفسير مختصر مطابق، ودليل هذا التفسير قوله تعالى: { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ } [البينة: 5].
قال ابن كثير رحمه الله : «قوله: (حنفاء): أي: مُتَحنفين عن الشرك إلى التوحيد. كقوله: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } [النحل: 36] وقوله: {وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} أي: الملَّة القائمة العادلة، أو: الأمة المستقيمة المعتدلة».
وقال العلَّامة السعدي رحمه الله : «{وَمَا أُمِرُوا} أي: في سائر الشرائع {حُنَفَاءَ} أي: معرضين ومائلين عن سائر الأديان المخالفة لدين التوحيد: { وَذَلِكَ } أي التوحيد والإخلاص دينُ القيّمة».
وقال تعالى: {حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ } [الحج: 31].
أي: مقبلين عليه معرضين عما سواه، قال ابن كثير رحمه الله : «أي: مخلصين له الدين، منحرفين عن الباطل قصدًا إلى الحق».
وما ذكره الشيخ هو معنى لا إله إلا الله قال قتادة: الحنيفية شهادة أن لا إله إلا الله»([23]).
وقوله: (وبذلك أمر الله جميع الناس): فجميع الأنبياء يدعون إلى ذلك، وجميع الكتب ناطقة بأن الله لا يقبل من أحد سوى الحنيفية وهي الإسلام، أي: عبادة الله وحده لا شريك له.
قال شيخ الإسلام رحمه الله : «وأما الكتب السماوية المتواترة عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فناطقة بأن الله لا يقبل من أحد دينًا سوى الحنيفية وهي الإسلام العام عبادة الله وحده لا شريك له والإيمان بكتبه ورسله واليوم الآخر»([24]).
قال ابن كثير رحمه الله : «فإن جميع الأنبياء قبله كلهم كانت دعوتهم إلى الإسلام، وأصله عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء : 25] ، وقد أخبر تعالى عن نوح أنه قال لقومه: {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ } [يونس:72] ، وقال تعالى: { وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } [البقرة : 130 -132] ، وقال يوسف عليه السلام: { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } [يوسف : 101]، وَقَالَ مُوسَى: { وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } [يونس : 84 -86] ، وقال تعالى: { إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ } [المائدة : 44] ، وقال تعالى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} [المائدة : 111] .
فأخبر الله تعالى أنه بعث رسله بالإسلام، ولكنهم متفاوتون فيه بحسب شرائعهم الخاصة التي ينسخ بعضها بعضًا، إلى أن نسخت بشريعة محمد ﷺ التي لا تنسخ أبد الآبدين، ولا تزال ... فالدين واحد وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن تنوعت الشرائع التي هي بمنزلة الأمهات»([25]).
(فإذا عرفت أنّ الله خلقك لعبادته فاعلم: أنّ العبادة لا تسمّى عبادة إلا مع التوحيد، كما أنّ الصلاة لا تسمّى صلاة إلا مع الطهارة، فإذا دخل الشرك في العبادة فسدتْ كالحدَث إذا دخل في الطهارة).
أن الغاية التي خلقنا من أجلها -وهي عبادة الله- لا يمكن أن يحققها العبد وأن تحصُل منه إلا بالتوحيد والبعد كل البعد عن الشرك، وذلك أن الشرك ينقض العبادة فمهما عبد العابد -في زعمه- وهو مشرك فليس بعابد ولا قام بتحقيق ما خلق لأجله.
كمن قام يُصلِّي بدون طهارة فهو وإنْ صلَّى مائة ركعة وزعم أنَّه يصلِّي فعملُه غير معتبر ولا هو بمصلٍّ في الحقيقة.
وهذا التمهيد من الشيخ يوجب عليك أمرين:
الأول: معرفة التوحيد الذي تنبني عليه العبادة التي خُلِقْت من أجلها، وتحقيق هذا الأساس العظيم وتجريده من جميع النواقض.
الثاني: معرفة الشرك الذي يهدم العمل بحيث لا يُعتبر معه من عامله.
قوله: (فإذا عرفت أنّ الله خلقك لعبادته): تعرف هذا إذا فهمت التمهيد الأول جيِّدًا فإنه تضمن أن الله خلق الجن والإنس لعبادته وسبق الدليل، وأنت واحد من الإنس فشملك الدليل وعليه فأنت الآن تعرف أن الله خلقك لعبادته.
وبعد تحقُّقك من هذا الأمر المهم فلا بد أن تتنبه لأمر مهم جدًّا هو الأساس الذي لا يمكن أن تقوم بمهمّتك وتحقيق الغاية التي أوجدك خالقك من أجلها إلا عليه.
وهذا الأمر المهم: هو أن تحقيقك لما خلقت من أجله له شرط وله ناقض:
ـ فإن لم تأت بالشرط _ وهو التوحيد_: لم تحقق الغاية.
ـ وإن أتيت بالناقض _وهو الشرك _: هدمت عملك، وأحبطت سعيك ولم تحقق الغاية أيضًا.
قوله: (فاعلم): أُلفت انتباهك لما أسلفناه من إيضاح مراد العلماء بإيراد هذه الكلمة.
قوله: (أن العبادة): وهي الغاية من خلق الجن والإنس ومن أجل بيانها أرسل الله الرسل وأنزل الكتب وشرع الجهاد والدعوة.
والعبادة: اسم جامع لكلِّ ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، ومتعلّقها القلب واللسان وسائر الجوارح.
ومن عبادات القلب: الخوف من الله وتعظيمه والتوكل عليه وحبه.
ومن عبادات اللسان: كلمة التوحيد والتسبيح والتحميد.. .
ومن عبادات الجوارح: المشي إلى المساجد والحج والصلاة وإماطة الأذى.
قوله: (لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد): هذا هو الشرط الذي يجب أن تفهمه جيدًا وأن تحققه وتجرده وتقوم به لأنه حق الله وهو الإخلاص له.
فكل من زعم أنه يعبد الله ولم يحقق التوحيد فليس بعابد وكل عمل يتقرب إلى الله به لا يقوم على أساس التوحيد فليس بعبادة وليس بنافع صاحبه، ولا هو به قائم بما خلقه الله من أجله حتى يكونَ أولًا مخلصًا دينه لله رب العالمين.
قوله: (كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة): وهذا واضح لديك جدًّا فلو أن رجلًا قام واستقبل القبلة وصلى وأتى بجميع الأركان لكنه على غير طهارة كل عاقل مسلم يقول له: أنت ما صليت ولا قمت بما أوجب الله عليك ولا برئت ذمتك ولا تزال مطالبا بالصَّلاة، وهذا العمل الذي قمت به مردود عليك ولا ينفعك وليس ما قمت به: هو الصَّلاة الشرعية التي أمرك الله بها وهذا قائم على قاعدة عظيمة عند أهل العلم: وهي: أن الحكم لا تتم حتى تجتمع شروطه وتنتفي موانعه.
وهنا لم يأت بالشرط وهو الطهارة بل قام محدثًا فلم يُعتبر قيامُه وركوعُه وسجوده وقراءته، لأنه قام وفعل ولم يحقق الشرط الذي لا يوجد المسمى الشرعي إلا به.
فإن قوله: {فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} أي: الصلاة الشرعية المعروفة في الشرع وهي مجموع الشروط والأركان والواجبات فيها. وهذا لم يأت بالشرط وهو الطهارة بل أتى بنقيض الشرط فقام محدثًا.
والتوحيد شرط لصحَّة كل عبادة، والشرك -وهو نقيض التوحيد- ناقض لكل عبادة، كالطهارة والحدث فكما أنَّ المصلي إما متطهِّر أو غير متطهِّر فهكذا كلّ عابد: إما موحِّد أو غير موحِّد، وكما أنَّ صلاة غير المتطهِّر لا عبرة بها، فكذا مَن لم يكُن مِن أهل التوحيد وكان مُشركًا: فلا عبرة بعمَله وإن زعم أنه يعبدُ الله.
ودليل هذا الأصل: وهو كون العبادة لا تكون عبادة ولا تسمى عبادة إلا مع التوحيد قولُه تعالى: { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ } [البينة: 5]، وهذا الدليل فيه النفي والإثبات وهو من أبلغ أنواع الحصر حتى عدَّه بعضُ محققي الأصوليين من المنطوق لا من المفهوم.
وحاصل المعنى: أنه لم يأمر بعبادة مطلقة تتبع الهوى، وإنما أمر بعبادة مشروطة بشروط، أهمها: أن تكون قائمة على أساس الإخلاص لله تعالى، والتحنُّف عن الشرك إلى التوحيد.
فالعبادة لا تكون عبادة إلا بأمرين:
الأول: إخلاص الدين لله من قوله تعالى: {لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}.
الثاني: الإعراض والميل عن الشرك إلى التوحيد من قول الله تعالى: {حُنَفَاءَ}.
- فمَن عبَدَ الله غيرَ مخلصٍ دينه لله فما عبدَ الله.
- ومَن عبدَ اللهَ غير حنيفٍ فما أتى بما أَمر الله.
ويدلُّ له أيضًا قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]، أي: اعبدونِ على هذا الأساس وهو أنه {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا}، وهذا هو التوحيد وهو إفراد الله سبحانه بالعبادة.
وتعقيب الأمر بالعبادة على قوله: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا} بالفاء يفيد: أن العبادة التي لا تقوم على هذا الأساس _أي التوحيد_: أنها لا يتأدى بها الفرض، وليست هي العبادة التي أمر الله بها.
ويدل أيضًا لهذا الأصل قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110]، وأدلة على هذا الأصل كثيرة جدًّا.
قوله: (فإذا دخل الشرك في العبادة فسدتْ كالحدَث إذا دخل في الطهارة): هذا تمام المثال المضروب لك لتقريب المعنى المقصود لفهمك.
وحاصله: أن تأثير الشرك في كل عبادة نظير تأثير الحدث في الصلاة.
فكما أنَّ الصَّلاة مع غير طهارة _أي مع الحدث_ لا تسمى صلاة ولا يعتبر بها، فكذا أيّ عبادة مع الشرك لا تُسمَّى عبادة ولا يُعتبر بها.
ومِن هَذا نستنتج: أنَّ كلّ مَن أشرك بالله ولم يوحِّد الله سبحانه فلم يقم بالغاية التي خلقَهُ الله من أجلها. بل أتى بنقيض ما أمر به، وضادَّ الله في ذلك.
ثم انتقل الشيخ إلى نقطة مهمة جدًّا وهي: تنبيهك إلى خطورة الشرك فإن أثره لا يقتصر على هذا فحسب بل هناك آثار مترتبة عليه أشد خطورة لخصها في:
قوله: (فإذا عرفتَ أن الشرك إذا خالط العبادة أفسدها وأحبط العمل وصار صاحبه من الخالدين في النار): في هذه الفقرة يبين الشيخ رحمه الله خطورة الشرك وأثرة على صاحبه، وأجملها في ثلاثة أمور:
الأول: قوله: (أفسدها): وإفساده من وجهين:
أحدهما: إفساد الاسم، فالعمل لا يسمى _مع مخالطة الشرك له_ عبادة.
ثانيهما: إفساد المسمَّى. أي العمل في حدِّ ذاته فاسد باطل ممحوق ليس بنافع، والدليل على هذا قوله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»([26]).
الثاني: قوله: (وأحبط العمل): لقوله تعالى: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 88]، ولقوله تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65]، وقوله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23]، فالعمل لا يتحقق عليه: حسن الثواب في الحال والمآل إلا بالتوحيد لأنه شرطه أعني توحيد المرسل وتوحيد متابعة الرسول.
ولا بد من عدم وجود المانع وهو الشرك فإن وجد حبط العمل وهلك صاحبه.
ومعنى حبوط العمل: بطلانه وفساده وهلاكه وذهاب أجره.
الثالث: قوله: (وصار صاحبه من الخالدين في النار): والدليل قول الله تعالى: { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ } [المائدة: 72]، وفي الصحيح أن النبي ﷺ قال: «مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِالله شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ»([27]).
وقال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا } [النساء: 48]، وإذا لم يغفره فإنَّه يؤاخذ به وإذا كان لا يغفره أبدًا فالمؤاخذة عليه أبدًا.
(عرفتَ أنّ أهمّ ما عليك: معرفة ذلك، لعلّ الله أن يخلّصك من هذه الشَّبَكة، وهي الشرك بالله الذي قال الله فيه: { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } [النساء:116]، وذلك بمعرفة أربع قواعد ذكرها الله تعالى في كتابه).
هذه الفقرة نتيجةٌ قد سبقها مقدمتين مهمتين تنبني عليهما، وبفهمك لكلا المقدمتين يتبين لك أن أهمّ ما يجب عليك معرفته يتلخص في أمرين:
ـ أنّ شرط وأساس العبادة: هو التوحيد.
ـ وأنّ ناقض ومانع العبادة: هو الشرك.
لأنَّ فلاحك في الدُّنيا والآخرة منوط بذلك، ولأن قيامك بتحقيق الغاية التي خلقك الله من أجلها منوط بذلك.
ومعرفتك للشرك لأجل أن تسلم من الوقوع في المخاطر العظيمة التي سبقت في المقدمة الثانية، ولتسلم من حبائل الشيطان واتباع خطواته والوقوع في شباكه، وشراكه.
قوله: (عرفتَ أنّ أهمّ ما عليك: معرفة ذلك): أي: بتدبُّرك للمقدِّمتين السَّابقتين يحصل عندك معرفة أنَّ أهم ما يجب عليك العناية بفهمه ومعرفته هو معرفة التوحيد ومعرفة الشرك، لأنك بكثرة التمعُّن في ذلك تعرف:
أولًا: أن الله خلقك لعبادته.
ثانيًا: أنَّ العبادة لا تكون عبادة إلا مع التوحيد ومجانبة الشرك وأن الشرك ضرره عظيم على صاحبه.
والإشارة في قوله: (معرفة ذلك): عائدة إلى ما ذكرناه وهو:
1- معرفة التوحيد الذي لا تُسمَّى العبادة عبادة إلا به.
2- معرفة الشِّرك الذي يُبْطل العبادة ويُحبطُها.
واعلم أنَّ معرفة هذا: فرض عين على المكلَّف، فإنَّ العلم نوعان: منه فرض عين، ومنه فرض كفاية، وما سبق من القسم الأول الذي على كلِّ عبد بعينه أن يتعلمه لأنه خالص حقِّ الله سبحانه عليك.
قوله: (لعلّ الله أن يخلّصك من هذه الشَّبَكة، وهي الشرك بالله الذي قال الله فيه: { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } [النساء:116])
لا شك أن الخلاص يحصل بتحقيق ذلك، قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}.
والخلَاص: النجاة والسلامة مما فيه المخافة والهلكة، وكل شيء تخافه، وفيه ضرر عليك فسلمْت منه فقد خَلَصْت منه، وخلّصتُه منه: نجَّيته منه، فسَلِمَ وتخلَّص.
والشبكة: شَرَك الصياد يقع الصيد فيه، والصيَّاد هنا الشيطان، وشبكتُه تزْيين الشرك وما دونه من المعاصي، كما سبق في الحديث القدسي السابق: «خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ»، وما ذكره الشيخُ هنا هو مضمون نصيحة إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام لأبيه، قال الله عنه: {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ} وهو التوحيد والحنيفية: { مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا } أي: لا تقع في شباكه، وشِرَاكهِ فتعصي الله فتهلك، لأنه {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ}.
قوله: (وذلك بمعرفة أربع قواعد): هذه طريقة ووسيلة سهلة لمعرفة هذا الواجب العظيم الذي يتعيَّن عليك معرفته وفهمه.
فيمكنك معرفة حقيقة التوحيد وحقيقة الشرك بواسطة قراءة هذه القواعد الأربع وهي سهلة ميسرة تبعًا لأصلها، لأنَّ المؤلف لم يأت بها من كيسه بل هي كما قال: (ذكرها الله في كتابه) والله يقول: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر: 17]، فما عليك إلا أن تتفهم هذه القواعد ليحصل لديك المعرفة التامة بما سبق.
وتضمَّن هذا: أعظم الثناء على ما اشتملت عليه هذه الرسالة، وآكد التحريض على تعلّمها وفهمها، وتعليمها وتلقينها للناس، وذلك أنّ مقصود هذه القواعد يتلخص في الأمور التالية:
الأول: معرفة معنى لا إله إلا الله، كونها كلمة التوحيد ومبناه وعموده.
الثاني: معرفة حقيقة التوحيد الذي هو أساس العبادة التي هي حقّ الله على العبيد والذي لا يكون العمل عبادة إلا به.
الثالث: معرفة الشِّرك الذي يُحبط العبادة ويفسدها ويهلك صاحبه ويخلِّده في النار بسببه.
الرابع: التمييز بين التوحيد والشِّرك، وبين الموحِّد والمشرك.
قول المؤلف رحمه الله : (اعلم أرشدك الله لطاعته: أن الحنيفيّة ملّة إبراهيم: أن تعبد الله مخلصًا له الدين وبذلك أمر الله جميع الناس وخلقهم لها، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]، فإذا عرفت أنّ الله خلقك لعبادته فاعلم: أنّ العبادة لا تسمّى عبادة إلا مع التوحيد، كما أنّ الصلاة لا تسمّى صلاة إلا مع الطهارة، فإذا دخل الشرك في العبادة فسدتْ كالحدَث إذا دخل في الطهارة. فإذا عرفتَ أن الشرك إذا خالط العبادة أفسدها وأحبط العمل وصار صاحبه من الخالدين في النار عرفتَ أنّ أهمّ ما عليك: معرفة ذلك، لعلّ الله أن يخلّصك من هذه الشَّبَكة، وهي الشرك بالله الذي قال الله فيه: { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } [النساء:116]، وذلك بمعرفة أربع قواعد ذكرها الله تعالى في كتابه).
هذا تمهيد عظيم -بعد المقدمة والحمد والثناء على الله والدعاء للطالب- قبل الدخول في القواعد يتضمن ما يلي:
- بيان أنَّ الله خلقَ الجن والإنس لعبادته، وأنَّ العبادة مبنيَّة على أساسٍ هو: أنْ تعبدَ الله مخلصًا له الدِّين أي تكون حنيفًا غيرَ مشرك به.
- بيان خطورة الشِّرك وأنَّه يُفسد العبادة ويحبطها ويسلك صاحبَه في سَقَر.
- أنه يجب عليك معرفة التوحيد الذي تقوم عليه العبادة.
- أنه يجب عليك معرفة الشرك الذي يبطل العمل.
- أن من وسائل معرفة ذلك دراستك وفهمك لقواعد أربع ذكرها الله في كتابه.
وهذا التمهيد من الأهمية بمكان ليستعد الطالب لفهم وحفظ ما يقدم عليه من العلم.
([9]) الزهد للإمام أحمد (343 رقم 1336)، والجامع لعلوم الإمام أحمد (13/467) ورجال سنده أئمة ثقات. وجاء مرفوعًا: «ثلاث من كن فيه آواه الله في كنفه وستر عليه برحمته وأدخله في محبته: من إذا أعطي شكر وإذ قدر غفر وإذا غضب فتر»، وهو شديد الضعف، انظر: الضعيفة (2/55/587)، و (11/835/5478).